
❗️خاص صدى الولاية ❗️
بقلم فتحي الذاري
ترفع أنقرة تدريجياً سقف خطابها تجاه كيان الاحتلال الإسرائيلي، في ظل اتساع دائرة التوتر في المنطقة، ولا سيما في سوريا وغزة ولبنان وشرق المتوسط، لتطرح التطورات سؤالاً يتجاوز حدود التصريحات السياسية: هل بات الاحتكاك التركي الإسرائيلي أقرب إلى نقطة الصدام؟
التحرك التركي الأخير لا يمكن فصله عن رؤية أوسع لدى أنقرة تعتبر أن استمرار العمليات الإسرائيلية وتوسعها إقليمياً يهددان الاستقرار ومصالح تركيا المباشرة، خصوصاً على الساحة السورية.
رفع السقف التركي
يقود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحركاً دبلوماسياً متصاعداً، بالتوازي مع مواقف شديدة اللهجة للرئيس رجب طيب أردوغان تجاه سياسات كيان الاحتلال الإسرائيلي.
وتؤكد أنقرة رفضها للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، معتبرة أنها تمس سيادة سوريا ووحدة أراضيها وتزيد مخاطر زعزعة الاستقرار في المنطقة.
لكن ثمة فارقاً يجب تثبيته بين رفع سقف التحذير السياسي وبين اتخاذ قرار بالمواجهة العسكرية.
حتى الآن، لا توجد معطيات رسمية كافية تثبت أن تركيا أعلنت خيار الحرب المباشرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن مستوى التوتر يؤكد أن أنقرة باتت أكثر حساسية تجاه أي تحرك يمكن أن يمس مصالحها أو وجودها ونفوذها في سوريا.
سوريا.. نقطة الاحتكاك الأخطر
الساحة السورية هي النقطة الأكثر قابلية لتحويل التوتر السياسي إلى أزمة أمنية مباشرة.
فتركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها مجالاً حيوياً لأمنها القومي، بينما يواصل كيان الاحتلال الإسرائيلي عملياته داخل الأراضي السورية.
وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: ماذا يحدث إذا أصابت ضربة إسرائيلية قوات أو مصالح تركية بشكل مباشر؟
هذا السيناريو هو الذي يمكن أن ينقل العلاقة من حرب التصريحات والتحذيرات إلى مرحلة مختلفة، ولذلك برزت مساعٍ أميركية لمنع الاحتكاك وتوسيع قنوات خفض التصعيد بين الأطراف.
لماذا الآن؟
إقليمياً، ترى أنقرة أن استمرار الحرب في غزة واتساع الضربات الإسرائيلية في المنطقة يهددان بإنتاج واقع إقليمي جديد لا تريد تركيا أن تكون خارجه.
دولياً، تراهن أنقرة على قدرة واشنطن على التأثير في القرار الإسرائيلي، ولذلك لا تتوجه الرسائل التركية إلى تل أبيب وحدها، بل إلى الولايات المتحدة أيضاً.
أما داخلياً، فيواصل أردوغان وضع فلسطين والقدس في صلب خطابه السياسي، بالتوازي مع محاولة تكريس تركيا قوة إقليمية رئيسية لا يمكن تجاوز مصالحها عند رسم توازنات الشرق الأوسط.
تركيا بين طهران وواشنطن
الزاوية الأكثر تعقيداً تتعلق بموقع تركيا بين إيران والولايات المتحدة.
فأنقرة لا مصلحة لها في انفجار حرب إقليمية شاملة بين طهران وواشنطن، لأن تداعياتها الأمنية والاقتصادية والسياسية ستصل مباشرة إلى تركيا.
وفي المقابل، لا تريد أنقرة أن يؤدي التصعيد الإقليمي إلى إضعاف موقعها أو منح أطراف أخرى حرية إعادة تشكيل المنطقة بعيداً عن مصالحها.
لذلك تتحرك تركيا ببراغماتية واضحة: تحتفظ بعلاقاتها مع واشنطن بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي، وتحافظ في الوقت نفسه على قنواتها ومصالحها مع طهران ودول المنطقة.
التحالف الثلاثي يدخل الحسابات
ويضاف إلى المشهد عامل جديد يتمثل في التقارب الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان.
هذا المسار يمنح أنقرة ثقلاً إضافياً، لكنه لا يعني تلقائياً قيام محور عسكري موجه ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي.
الأدق أن هذا التقارب يعكس اتجاهاً لدى قوى إقليمية كبرى إلى توسيع خياراتها الدفاعية وعدم إبقاء أمنها مرتبطاً بالكامل بالتوازنات التقليدية.
ومن هنا يطرح السؤال: هل تتحول هذه الشراكات مستقبلاً إلى مظلة ردع إقليمية أكثر استقلالاً؟
ثلاثة مسارات محتملة
المسار الأول يبقى دبلوماسياً، عبر تكثيف الضغط التركي والإسلامي والدولي على واشنطن من أجل الحد من التصعيد الإسرائيلي.
المسار الثاني يقوم على تعزيز الحضور التركي السياسي والأمني في الملفات الإقليمية، وخصوصاً سوريا وفلسطين، واستخدام أنقرة أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية ونفوذها الإقليمي لزيادة الضغط.
أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيبدأ إذا تعرضت قوات أو مصالح تركية لضربة مباشرة، سواء في سوريا أو شرق المتوسط.
عندها لن يكون السؤال متعلقاً بحدة تصريحات فيدان أو أردوغان، بل بطبيعة الرد التركي وحدوده، وبمدى قدرة واشنطن على منع انتقال الاحتكاك إلى مواجهة أوسع.
هل انتهى زمن الرسائل؟
لم ينته بعد، لكن مستوى الرسائل تغير.
أنقرة تريد تثبيت معادلة واضحة مفادها أن مصالحها في سوريا والمنطقة ليست مساحة مفتوحة أمام أي طرف، وأن استمرار توسيع دائرة العمليات العسكرية سيزيد احتمالات الاحتكاك.
وفي المقابل، فإن الانتقال من التحذير إلى المواجهة العسكرية المباشرة لا يزال يحتاج إلى تطورات أكبر بكثير مما نشهده حتى الآن.
وهنا تكمن أهمية ما سيأتي بعد تصريحات فيدان والتحركات التركية الأخيرة.
هل تنجح أنقرة في تحويل ضغطها السياسي وتحالفاتها الإقليمية إلى قوة ردع تمنع المزيد من التصعيد؟
أم أن استمرار الاحتكاك في سوريا سيضع تركيا وكيان الاحتلال الإسرائيلي أمام اختبار لم يعد بالإمكان احتواؤه بالدبلوماسية؟
المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، والكرة ليست في ملعب تل أبيب وحدها، بل في واشنطن أيضاً.
فماذا بعد فيدان؟
تحرير خاص صدى الولاية